سر المسيرات المليونية الكربلائية

 

كاظم فنجان الحمامي

 

ربما يتساءل البعض عن سر المسيرات المليونية الزاحفة نحو كربلاء في الظروف الجوية القاسية, ولماذا تحركت هذه الجموع الغفيرة بخطاها المذبوحة على الإسفلت المخذول, وواصلت سيرها على الأقدام في الحقول والبراري, مع علمهم المسبق بأنهم قد يتعرضون إلى الموت بالعبوات والأحزمة الناسفة, أو بتفجيرات السيارات المفخخة, أو بقذائف مدافع الهاون, وغيرها من وسائل الموت, بما فيها تسميم الطعام وتلويث مياه الشرب.

حاول المحللون السياسيون الإجابة على هذه التساؤلات في الفضائيات المتخصصة بزرع الفرقة وبث الفتن والدسائس, وجاءت إجاباتهم متخاصمة تماما مع واقع الحال, ومتأثرة بإيحاءات الحملات الإعلامية السياسية المنساقة وراء النعرات الطائفية, كانوا يظنون إن هذه الملايين الزاحفة نحو كربلاء مدفوعة بتوجهات سياسية مغلفة بغبار الطقوس والمناسك الدينية, وكان يتعين عليهم ان يتعرفوا أولا على التركيبة السيكولوجية العراقية, ويتعمقوا في دراستها، ويشخصوا هذه الظاهرة بمنظار الحكيم المتجرد من التأثيرات المنحازة, وتعين عليهم أن يكونوا خبراء بتقلبات الظروف القاسية التي مر بها الناس في العراق, لكي يدركوا بأن هذه المسيرات المليونية تشكل تحدياً كبيراً للفساد، وأن هذا التحدي يفرض حضوره في جميع مناحي الحياة اليومية. وأنه يتضخم بين الحين والآخر على شكل مسيرات عفوية سلمية متكررة. وأن عظمة هذا التحدي تستدعي ارتقاء الدولة العراقية نفسها إلى عظمة الاستجابة لمطالب الناس البسطاء, بعد أن صارت تلك المطالب أثقل من الأحمال المتراكمة, التي تنوء بها الجبال. لقد تجرد المشاركون في هذه المسيرات من انتماءاتهم الطائفية, وتخلوا عن ولاءاتهم القبلية, وتركوا مشاكلهم الشخصية وراء ظهورهم, وقرروا تنظيم أنفسهم بأنفسهم من دون أن تتدخل الدولة في شؤونهم, ومن دون أن يسمحوا للمنظمات الحزبية باستغلالهم, أو يفسحوا المجال لتوظيفهم في الحملات الانتخابية, فتحرروا من جميع القيود والارتباطات الدنيوية والمادية, وان من يلتقيهم سيكتشف للوهلة الأولى انه يقف أمام تظاهرة احتجاجية تقودها الأغلبية الصامتة, التي خرجت لترميم الهواء الذي هدمته الأحقاد, وربما يقع مغشيا عليه من هول الصدمة, إذا علم بان هؤلاء الناس خرجوا بالملايين لكي يستمدوا القوة والعزيمة من ثورة الحسين في الوقوف بوجه الباطل, وإنهم خرجوا للاعتراض على كل أنواع الفساد.

لقد أدرك العراقيون بأحاسيسهم الفطرية الصادقة, إن سر قوتهم تكمن في تعزيز وحدتهم الوطنية, وتنبعث من إرادتها الصلبة, التي ينبغي أن لا تلين, فشكلوا المسيرات الكبيرة لعرض مظالمهم ومطالبهم في الهواء الطلق, والدعوة لإصلاح حال السياسيين الذين ركبوا رؤوسهم, وتخلوا عن واجباتهم الوطنية الأساسية, وأبحروا بسفينة الشعب المنكوب نحو الهاوية, وراح بسبب خلافاتهم على السلطة مئات الآلاف من الضحايا, وأفواج من المهجرين والمشردين والنازحين, ومئات المليارات من الخسائر المادية. حتى صار العراقيون كما يقول صابر بن حيران: مواطنون دونما وطن, مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن, مسافرون دون أوراق, وموتى دونما كفن, مواطنون في مدائن البكاء, حيث تسير جثث الشهداء مرفوعة الرأس, وحيث يخصب الموت وتزدهر الفجيعة, قهوتهم مصنوعة من دم كربلاء, حنطتهم معجونة بلحم كربلاء, طعامهم, شرابهم, عاداتهم, راياتهم,  قبورهم, جلودهم مختومة بختم كربلاء, لا أحد يعرفهم من عرب الصحراء, أسماؤهم لا تشبه الأسماء, فلا الذين يشربون النفط  يعرفونهم, ولا الذين يشربون الدمع والشقاء, معتقلون داخل الحزن, وأحلى ما بهم أحزانهم, وحيثما تلفتوا وجدوا المخبر السري في انتظارهم, وخبزهم مبلل بالخوف والدموع, مقتلعون كالأشجار من مكانهم, مهاجرون من مرافئ التعب, لا أحد يريدهم من قلعة الحدباء إلى ضفاف شط العرب, مسافرون خارج الزمان والمكان, مسافرون ضيعوا نقودهم, وضيعوا متاعهم, وضيعوا الإحساس بالأمان, نصفهم في الغربة، ونصفهم الآخر يفضلون البقاء في العراق ليموتوا كل يوم من الخوف والغضب والفقر والقلق.

ينتمون إلى الأمة الوحيدة التي ترى المنكر ولا تستطيع أن تغيره حتى بأضعف الإيمان, وينتمون إلى الأمة الوحيدة التي يسمح فيها لرجل الدين الإفلات من عقوبة التحريض على القتل إذا نعت أحد خصومه بالفسوق, وينتمون إلى الأمة الوحيدة التي لا يزال رجال الدين فيها يستخدمون كلمة (التكفير) ضد خصومهم, وينتمون إلى الأمة الوحيدة التي تشترك في دين واحد, ومع ذلك لا تتفق على رؤية واحدة لأحكام هذا الدين. والأمة الوحيدة التي يهذر فيها وعاظ السلاطين كما يشاءون, ثم يختمون كلامهم بعبارة (والله أعلم)، وكأن الناس لا تعلم ذلك, والأمة الوحيدة التي صارت متخصصة في صناعة الموت, ومتفننة في زراعة الحقد والكراهية, والأمة الوحيدة التي لديها جيوش وعساكر مدججة بالسلاح, وأرضها محتلة وتخشى القتال. فلا خيار أمامهم إذن, وهم في هذه الأوضاع المزرية إلا بتنظيم المسيرات الاحتجاجية المليونية الصامتة, ومواصلة السير نحو كربلاء, والبحث في رحاب ثورة الحسين عن الخلاص من هذا المأزق الذي تمر به الأمة. ومواصلة النضال من اجل العراق الجديد المبني على أسس العدالة والإنسانية, وإشاعة روح المحبة والتسامح بين الناس. .

لعلكم تتذكرون نضال الزعيم الهندي (غاندي), ومئات الآلاف من الهنود الذين اشتركوا معه في مسيرة الملح, وكفاحه السلمي لتحرير الهند من مخالب الاستعمار البريطاني بطريقته السلمية, التي حددها ببضعة نقاط, نذكر منها: أن يكون المناضل مستعداً للتضحية, وأن هذا النضال يصلح للجميع وحتى للأطفال, ويصلح للشعب كما يصلح للفرد, وأنه يستبعد فكرة العداء والحقد, ونجح من خلال إيمانه المطلق بهذه المبادئ الصادقة في تعزيز تآخي الأديان من أجل تكريس وحدة الشعب الهندي، وخاصة أتباع الديانتين الهندوسية والإسلامية, وتحولت مسيرة الملح إلى تظاهرة وطنية هندية, يشترك فيها سنويا (حتى يومنا هذا) عشرات الآلاف من الهنود والأجانب في مسيرة شاقة يقطعون خلالها 500 كيلومترا في 24 يوما مشيا على الأقدام من مدينة (أحمد آباد) في وسط الهند إلى مدينة (داندي) الواقعة على الساحل الغربي,  وذلك في ذكرى مرور 80 عاما على (مسيرة الملح) التي قادها المهاتما غاندي عام 1930, وهو العام الذي رفض فيه غاندي دفع ضريبة الملح التي فرضها البريطانيون، وسار مع جماعته نحو مصنع الملح في (داندي) تأكيدا لرفض الهنود احتكار البريطانيين لصناعة الملح في البلاد.

وهكذا نجح غاندي في تنظيم مسيرة الخلاص, وتكررت هذه المسيرات الاحتجاجية حول العالم, نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر تلك التظاهرة التي انطلق فيها عمال (جرادة) في المغرب العربي في مسيرتهم, التي نظموها سيرا على الأقدام إلى الرباط, ورافقهم فيها أطفالهم ونساؤهم، احتجاجا على عدم تسوية ملفاتهم العالقة مع شركة (مفاحم جرادة) قبل إغلاق أبوابها نهائيا.

ولو عدنا إلى الوراء لوجدنا إن الإنسان العراقي كان يواصل, ومنذ زمن بعيد, بحثه الدءوب عن ذاته في مواجهة الحكومات المتعاقبة, التي لم تشعر بوجوده, ولم يشعر هو بانتمائه إليها, وشاءت الأقدار أن يرى نفسه هذه الأيام في رحلة جديدة للبحث عن الخلاص من المحتل, والخلاص من الفساد, والخلاص من أولئك الذين ركبوا الطائفية ثورا هائجا ينطحون به جدران وحدته الوطنية, ويمزقون نسيجها الاجتماعي المتجانس, تلتها رحلات كثيرة ومتشعبة للبحث عن الخلاص من ثرثرة الفضائيات المريبة, والبحث عمن يرسي قواعد العدل والإنصاف بين الناس, والبحث عمن يوفر الأمن والأمان, والبحث عمن يحمي الحريات الشخصية, ويسعى للمساواة بين الناس بصرف النظر عن مذاهبهم  ومعتقداتهم, واكتشف العراقيون إن العقل البشرى مطبوع على الاختلاف, والكون كله مطبوع على التنوع. وإنهم باتوا في أمس الحاجة للتلاحم والتسامح, فاهتدوا بقلوبهم الطيبة إلى القيام برحلتهم المليونية الشاقة للبحث عن القائد المُخلّص الذي تتوفر فيه العفة والنزاهة والشجاعة والشرف والذكاء والاستقامة والأخلاق الرفيعة والروح الوطنية العالية, فلم يجدوه إلا في شخص سيد شباب أهل الجنة. ويبدو إنهم سيواصلون مسيراتهم نحو كربلاء العصية على الإزاحة والنسيان, وسيواصلون احتجاجاتهم المليونية حتى إشعار آخر.